١٠‏/٠٩‏/٢٠٢٦، ١:١٨ م

صيد غواصة مسيّرة أميركية؛ لماذا تشعر واشنطن بالقلق؟

صيد غواصة مسيّرة أميركية؛ لماذا تشعر واشنطن بالقلق؟

قامت إيران مؤخراً باصطياد غواصة مسيّرة أميركية حديثة، وهو إنجاز تحاول واشنطن منذ البداية التقليل من أهميته. غير أن مراجعة تقارير وسائل الإعلام الأميركية والغربية تقدم صورة مختلفة.

وكالة مهر للأنباء: حققت إيران إنجازاً مهماً في مجال قدراتها البحرية بصيدها طائرة مسيّرة تحت سطح الماء أميركية حديثة، وهو إنجاز تحاول واشنطن منذ البداية التقليل من أهميته. وقد أعلن البنتاغون، رداً على هذا الحدث، أن هذه الطائرة المسيّرة قديمة، وأصابها عطل فني، ولم تكن تحمل معلومات حساسة. وهذه الرواية قابلة للتوقع بطبيعة الحال. ففي مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن تحاول أميركا منع تحول فقدان نظام عملياتي في واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية في العالم إلى إنجاز استخباراتي وتكنولوجي لإيران.

غير أن مراجعة تقارير وسائل الإعلام الأميركية والغربية تقدم صورة مختلفة. فقد شددت فايننشال تايمز في تقريرها حول العمليات البحرية الأميركية في مضيق هرمز على دور الأنظمة غير المأهولة في مهام تشمل تحديد قاع البحر، ومكافحة الألغام، ومراقبة المناطق البحرية. ويشير ذلك إلى أن الأنظمة تحت السطحية غير المأهولة ليست مجرد معدات تجريبية أو أدوات بلا أهمية عملياتية، بل جزء من القدرات الأميركية الجديدة لاكتساب المعرفة والتفوق في البيئات البحرية.

وتتضح أهمية هذا الموضوع أكثر عندما ننظر إلى الخصائص البيئية للمنطقة. فمضيق هرمز والمياه المحيطة به ليسا مجرد ممر ملاحي عادي. فهذه المنطقة تعتبر واحدة من أهم نقاط اختناق الطاقة والتجارة في العالم، وأي اضطراب في أمنها يمكن أن تكون له آثار اقتصادية وسياسية واسعة على المستوى الدولي. ولهذا السبب أيضاً، حاولت أميركا خلال السنوات الماضية، إلى جانب الحضور التقليدي للبوارج والغواصات وطائرات الدوريات، استخدام الأنظمة غير المأهولة لزيادة قدرتها على المراقبة وجمع المعلومات في هذه المنطقة.

وتحتل الغواصات المسيّرة تحت السطحية مكانة خاصة في هذا السياق. فعلى عكس الطائرات المسيّرة الجوية التي يكون حضورها عادة قابلاً للمشاهدة أو الكشف، يمكن للأنظمة تحت السطحية أن تعمل في أعماق البحر وبمستوى كشف أقل بكثير. وهي قادرة على جمع المعلومات المتعلقة بالبيئة تحت الماء، وحالة قاع البحر، والمسارات البحرية، وبعض الأنشطة العسكرية. ولهذه المعلومات أهمية كبيرة للقوات البحرية، لأن جزءاً مهماً من التنافس العسكري في البحر يعتمد على معرفة بيئة العمليات.

ومن هذا المنظور، لا تقتصر المسألة على القيمة المالية لنظام ما. فحتى لو اعتبرنا رقم 2.5 مليون دولار قيمة لهذه الغواصة المسيّرة، فإن أهميتها الحقيقية تكمن في التكنولوجيا والبيانات المستخدمة في بناء وتشغيل مثل هذا النظام. فالوصول إلى نموذج حقيقي لتكنولوجيا عملياتية يمكن أن يتيح إمكانية دراسة أكثر دقة لتصميم الهيكل، وأنظمة الدفع، وأجهزة الاستشعار، ومعدات الاتصال، وأسلوب إدارة الطاقة، والهندسة العامة للنظام.

ويمكن أن تكون دراسة نظام حقيقي أمراً قيماً لأي دولة تعمل على تطوير تقنيات مماثلة. فمعرفة الحلول الفنية المستخدمة، ونقاط القوة والضعف في التصميم، وأسلوب التعامل مع التحديات العملياتية، يمكن أن تقصر وتدقق مسار تطوير النماذج المحلية.

وفي هذا السياق، يعتقد إتش. آي. ساتون، المحلل المعروف في مجال التقنيات تحت السطحية، أن هذه الغواصة المسيّرة أكثر تعقيداً من كثير من النماذج الإيرانية، وأن وصول إيران إليها يمكن أن يوفر فرصة مهمة لدراسة التكنولوجيا وتطوير قدرات الأنظمة تحت السطحية غير المأهولة. وتكمن أهمية هذا التقييم في أنه يخرج الموضوع من إطار الدعاية السياسية. فحتى لو حاول البنتاغون التقليل من القيمة المعلوماتية لهذا النظام، فإن الوصول إلى نموذج حقيقي لتكنولوجيا متقدمة لمنافس عسكري يعتبر في حد ذاته فرصة تكنولوجية.

صيد غواصة مسيّرة أميركية؛ لماذا تشعر واشنطن بالقلق؟

وهناك نقطة أخرى، وهي الفرق بين الرواية السياسية والواقع العملياتي. يقول البنتاغون إن هذا النظام قديم وكان يعاني من عطل فني. وقد يكون جزء من هذا الادعاء صحيحاً؛ فلا يوجد نظام عسكري محصّن من العطل الفني أو احتمال الفقدان، والأساس أن كثيراً من الأنظمة غير المأهولة مصممة للعمل في بيئات ترتفع فيها مخاطر فقدانها. كما أكدت الشركة المصنعة، أندوريل، أن ديف-إل-دي مصمم لتنفيذ مهام عالية الخطورة. لكن كون النظام قابلاً للفقدان يختلف عن كونه غير مهم.

فلسفة استخدام الأنظمة غير المأهولة (بدون طيار أو ربان) قامت على هذا الأساس بالتحديد؛ أي تنفيذ مهام لا يكون فيها استخدام معدات أكثر تكلفة أو تعريض أرواح العناصر البشرية للخطر أمراً مرغوباً. وبالتالي، إذا كان نظام ما مصمماً للعمل في بيئات عالية الخطورة، فإن هذا لا يقلل بالضرورة من قيمته العملياتية، بل قد يدل على أن مهمته كانت حساسة إلى حد أن استخدام وسيلة غير مأهولة فُضّل على الحضور المباشر للعنصر البشري.

ومن جهة أخرى، فإن وجود مثل هذا النظام في المنطقة هو بحد ذاته جدير بالاهتمام. فأميركا، في أكثر الممرات المائية حساسية في المنطقة، والتي تشرف إيران جغرافياً على محيطها، تستخدم تقنيات حديثة لزيادة وعيها العملياتي. ويُظهر صيد هذا النظام أن التنافس البحري في المنطقة لم يعد مقتصراً على البوارج الحربية أو الصواريخ الساحلية أو الغواصات. فقد انتقل جزء مهم من هذا التنافس إلى مجال التقنيات غير المأهولة والصراع على اكتساب المعلومات.

وبالنسبة لإيران أيضاً، يمكن أن يكون لهذا الحدث أهمية من منظورين؛ الأول، إظهار القدرة على تحديد والوصول إلى نظام تحت سطحي أميركي في بيئة تعتقد أميركا أنها قادرة على العمل فيها باستخدام تقنيات حديثة. والثاني، إمكانية دراسة النظام نفسه والاستفادة من المعرفة الناتجة عنه لتطوير التقنيات المحلية وتحسين أساليب المواجهة مع النماذج المماثلة.

ولهذا السبب، ينبغي تحليل محاولة أميركا تقديم هذا الحدث على أنه فقدان نظام قديم وقليل الأهمية، في إطار إدارة تداعياته السياسية والاستخباراتية أيضاً. فمن الطبيعي أن واشنطن لا ترغب في أن يُطرح وصول إيران إلى نظام عملياتي أميركي كإنجاز بحري وتكنولوجي مهم.

وفي النهاية، لا ينبغي قياس أهمية صيد هذه الغواصة المسيّرة بثمنها فقط. فالقيمة الحقيقية تكمن في أن إيران وصلت إلى نموذج حقيقي لتكنولوجيا تستخدمها أميركا في البيئة العملياتية للخليج الفارسي ومضيق هرمز. وقد يكون هذا النظام أقدم من النماذج الأحدث، وقد لا تكون معلوماته المهمة المتعلقة بالمهمة متاحة، لكن التكنولوجيا نفسها وتصميمها وفهم طريقة عملها لا تزال يمكن أن تحمل قيمة كبيرة.

تقول واشنطن إن هذا النظام كان قديماً وقليل الأهمية؛ لكن هذه الحقيقة الواحدة تطرح سؤالاً مهماً: إذا كانت هذه الغواصة المسيّرة تفتقر إلى قيمة عملياتية، فلماذا استخدمتها أميركا في أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم وفي إطار مهامها البحرية؟ ربما تُظهر الإجابة عن هذا السؤال، أفضل من أي شيء آخر، أن صيد هذه الغواصة المسيّرة يتجاوز الحصول على غنيمة بحرية عادية.

/انتهى/

رمز الخبر 1973721

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha